في بيوت كثيرة من بيوتنا، في زاوية من زوايا الصالة أو على رف في غرفة الأطفال، كانت تقيم كتب ملوّنة ذات ورق مميز ورسوم بديعة. وكان الصغار يفتحونها فتنفتح لهم غابات روسية مكسوّة بالثلج، وأكواخ خشبية تتصاعد من مداخنها خيوط الدخان، وأبطال يعبرون الأنهار المتجمدة. وعلى ظهر كل كتاب منها اسم واحد من دارين: «دار التقدم» أو «دار رادوغا» في موسكو.
كانت هذه الدور تترجم الأدب الروسي والعالمي إلى العربية ولغات كثيرة، وتنشره بأسعار في متناول الجميع، فوصلت كتبها إلى المدن الكبيرة والقرى البعيدة على حد سواء. وهكذا عرف القارئ العربي على يديها تولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف وغوركي وبوشكين، وجلس إلى موائد رواياتهم الطويلة، وتعلّم منها أن الإنسان واحد وإن اختلفت المدن والثلوج.
ترجمة بعناية. تميزت ترجمات هذه الدور بعناية لغوية واضحة، فقد اشتغل عليها مترجمون عرب جعلوا النص الروسي ينطق بعربية سليمة جميلة. ولهذا يعود إليها كثير من القرّاء اليوم، ويفضّلونها على ترجمات أحدث منها.
إخراج يجعل الكتاب تحفة. وكانت الكتب تخرج من المطابع بإخراج فني لافت: أغلفة مرسومة بأيدي فنانين كبار، ورسوم داخلية تصاحب النص وتضيئه، وورق متين يحتمل تقليب الأيدي الصغيرة سنوات طويلة. فإذا أمسكت بكتاب منها اليوم أحسست أنك تمسك تحفة صغيرة صُنعت لتبقى.
ذاكرة جيل كامل. أما قصص الأطفال المصوّرة فقد صارت جزءًا من ذاكرة جيل كامل؛ يذكر أصحابه عناوينها ورسومها كما يذكرون وجوه أصدقاء الطفولة. ولهذا يبحث عنها اليوم كثيرون، بعضهم ليعيد قراءتها، وبعضهم ليقدّمها لأبنائه، كأنه يسلّمهم مفتاح غرفة كان يلعب فيها صغيرًا.
قيمة تتجدد. وأصبحت هذه الطبعات اليوم مطلوبة عند المقتنين؛ فبعضهم يجمعها حنينًا إلى الطفولة، وبعضهم لقيمتها الأدبية والفنية، وبعضهم لأنها شاهد على مرحلة من تاريخ الترجمة والنشر في العالم العربي.
وفي محبرة نورا خصّصنا لهذه الكتب بابًا كاملًا هو «باب رادوغا والتقدم وأخواتهن»، لتجد فيه ما بقي من تلك الرفوف الملوّنة، ولتفتح من جديد بابًا على غابات الثلج وبيوت الخشب.
بقلم: سارا