وجدها بين صفحات كتاب اشتراه من سوق الكتب القديمة: سطرين بخط مائل، وحبر أزرق بهت لونه، وتوقيعًا يعرفه جيدًا من صور المجلات. وقف في مكانه طويلًا، والناس يمرّون من حوله، وهو يقرأ الكلمتين ويعيد قراءتهما. لقد كتب الأديب هذه الكلمات بيده لصديق، في مساء ما، في مدينة ما، ثم دارت الأيام بالكتاب حتى وصل إليه.
للكتاب الموقّع بخط مؤلفه مكانة خاصة عند المقتنين. فالإهداء يحوّل النسخة من واحدة بين آلاف النسخ إلى نسخة فريدة، تحمل أثر يد الكاتب ولحظة لقائه بقارئ أو صديق. إنها لحظة إنسانية صغيرة حُفظت على الورق، فصارت جزءًا من الكتاب وجزءًا من سيرة صاحبه.
لماذا يهتم المقتنون بالإهداء؟ لأن الإهداء وثيقة صغيرة؛ يكشف أحيانًا علاقة الكاتب بالمهدى إليه، أو تاريخ لقاء جمعهما، أو كلمة عابرة تكشف شيئًا من شخصيته وروحه. بعض الإهداءات رسمية مقتضبة، وبعضها دافئ يفيض مودة، وبعضها يحمل دعابة أو حكمة. وكل منها يضيف إلى النسخة طبقة من المعنى.
كيف تقرأ الإهداء؟ تمهّل أمامه كما تتمهل أمام رسالة قديمة. انظر إلى التاريخ والمكان إن وُجدا، فهما يضعان النسخة في سياقها من حياة الكاتب. ثم اقرأ اسم المهدى إليه، فقد يكون أديبًا آخر أو شخصية معروفة، فتزداد قيمة النسخة. وتأمّل التوقيع، وقارن الخط بنماذج معروفة لخط الكاتب متى أمكن ذلك.
كيف تحفظه؟ احرص على إبعاد الصفحة الموقّعة عن الضوء المباشر والرطوبة، فالحبر القديم حساس، يبهت مع الشمس ويسيح مع البلل. واحفظ الكتاب في مكان ثابت معتدل الحرارة، وتجنب وضع أوراق أو فواصل ملوّنة على صفحة الإهداء، كي يبقى الحبر نقيًا كما تركته يد كاتبه.
قيمة تزداد مع الأيام. ترتفع قيمة الإهداء كلما ارتفعت مكانة الكاتب، وكلما كان الإهداء أطول وأكثر خصوصية، وكلما كانت النسخة طبعة أولى. فإذا اجتمعت هذه كلها في كتاب واحد، صار من نفائس المكتبات.
وفي محبرة نورا جمعنا هذه النسخ في «طبعات نادرة بإهداءات خطية من المؤلفين»، لتكون في متناول من يقدّر قيمتها، ولتنتقل تلك اللحظات الصغيرة إلى يد تعرف كيف تحفظها.
بقلم: سارا