في عام 1892 جلس جرجي زيدان في القاهرة إلى مكتبه، والمدينة من حوله تموج بأسئلة عصر جديد، فأصدر العدد الأول من مجلة «الهلال». ولعل تلك الورقات القليلة فاقت يومها كل ما تخيّله صاحبها؛ فقد عاشت أكثر من قرن، وصارت واحدة من أطول المجلات الثقافية العربية عمرًا.
حملت «الهلال» منذ بداياتها مشروعًا واضحًا: أن تنقل المعرفة إلى القارئ بلغة قريبة منه، في التاريخ والأدب والعلوم والفكر. وكان القارئ في المقاهي والبيوت ينتظر عددها الجديد كما ينتظر رسالة من صديق بعيد، يقرؤه ثم يعيره لجاره، فيدور العدد الواحد على أيدٍ كثيرة قبل أن يستقر على رف.
وتعاقب على صفحاتها عبر العقود كبار الكتّاب والمفكرين العرب، فكتبوا فيها وتجادلوا على صفحاتها، وتركوا فيها أثرًا من أرواحهم. وهكذا صارت أعدادها اليوم أرشيفًا حيًّا لتحولات الثقافة العربية في القرن العشرين؛ تقرأ فيها كيف كان الناس يفكرون، وبماذا كانوا يحلمون، وما الذي شغلهم في كل عقد من عقود ذلك القرن الطويل.
متعة المحتوى. لكل عدد من «الهلال» طعم خاص؛ ففيه مقالات في الأدب والتاريخ، وتراجم لأعلام، ونقاشات في قضايا عصرها. ومن يقرأ عددًا قديمًا يجلس في حضرة جيل كامل، يسمع أصواته ويشهد أسئلته.
متعة الشكل. وللمقتني متعة ثانية تضاهي الأولى: متعة التصميم القديم، والخطوط العربية التي تزيّن العناوين، والإعلانات التي تكشف ملامح الحياة اليومية في زمنها. إعلان عن دواء، أو عن آلة خياطة، أو عن فيلم يُعرض في سينما وسط البلد، كل ذلك يرسم صورة نابضة لمدينة كانت تعيش وتحلم.
متعة الجمع. بعض المقتنين يجمعون أعداد سنة كاملة، وبعضهم يبحث عن الأعداد الخاصة التي خصصتها المجلة لأديب كبير أو مناسبة مهمة، وبعضهم يكتفي بعدد واحد يوافق سنة ميلاده، فيضعه على رفّه كأنه نافذة على العالم يوم جاء إليه.
ولأننا في محبرة نورا نحب هذه المجلة، نهدي مع كل شحنة عددًا عتيقًا من «الهلال»، هدية مجانية تحمل لك شيئًا من ذلك الزمن الجميل، وتذكّرك بأن الورق قادر على أن يعبر قرنًا كاملًا ويظل يتكلم.
بقلم: سارا